الاثنين، 2 يناير 2012

ســــــــــــــوريا تــبــكــى دمــــا

الجمعة
30 ديسمبر 2011

بقلم - محمد سودان:

بالطبع أزمة الثورة السورية تختلف تماماً عن باقى الثورات فى منطقة الربيع العربى ، و أول ما يُلفت النظر هو المعاملة المختلفة من قبل الولايات المتحدة و الناتو تجاه الأحداث الدموية فى الأراضى السورية ، مجازر يومياً يراها القاسى و الدانى على شاشات الفضائيات ، مشاهد تحرك القلوب القاسية بل القلوب الحجرية ، ولكن يقف العالم الغربى و العربى تجاه هذه الجرائم من النظام الديكتاتورى المشابه لنظام القذافى أو ربما أشد قسوة ،
 و لكن رد فعل المنظمات الدولية الرسمية و غير الرسمية مختلف تماماً عن رد الفعل السريع و التحرك المثالى تجاه الأراضى الليبية من قبل ، بالطبع أبسط الناس و أقلهم دراية بالأمور السياسية سيقول أن ليبيا لديها بترول و غاز ، فيمكنها سداد فواتير قوات الناتو أو القوات الأمريكية ، أما سوريا لا تملك البترول أو الغاز الذى سيمكن نظام ما بعد الثورة أن يُسدد هذه الفواتير ، أى أن المسألة أن الناتو و غيرها ليست إلا عصا غليظة تُستعمل نظير أجر يسدده أحد الأطراف ، أو أن هناك مآرب أخرى ، فمن المعلوم أن هذه المساعدات لم تكن أبداً "لسواد عيون الشعب الليبى" ، أما فى حالة عدم و جود من يسدد هذه الفواتير ، فإن هذا المظلوم ليس له إلا الله ، و منهم من يقول أن نظام الناتو و الولايات المتحدة قد عودونا على مدار عقود ، أن هناك أزمات تُفتعل ، مثل حث صدام على إحتلال الكويت ، ثم ينتقل الناتو و الولايات المتحدة مدعومة بالجيش المصرى و غيره من الجيوش العربية التابعة للأمريكان ، فيضع الأمريكان الكتائب المصرية على خطوط المواجهة مع الجيش العراقى ، ثم تقوم جيوش الأمريكان و الناتو و المتحالفيين معهم بالقصف الجوى الشرس أو المدفعية التى تقصف من بعد دون أى خسائر بشرية من جانبهم ، ثم يقوم الآخر بقصف المنشئات المدنية الكويتية بشراسة ، حتى يضع ذريعة لدخول الكويت بعد ما سموه بالتحرير ، بحجة إعمار الكويت ، يتقاسم من شارك بالتحرير فى تقسيم كعكة الإعمار ، بالطبع عدا بلاد مثل مصر لأنها مأمورة بدفع جنودها البواسل رغماً عن إرادتها و ليس لها خيار فى قرارها ، لأن رئيسها يُنفّذ الأوامر الأمريكية و ليس من حقه حتى مناقشة هذه الأوامر .
سوريا تختلف عن الكثير من البلاد التى انتفضت شعوبها ضد الأنظمة الديكتاتورية ، فإن سوريا تستضيف العديد من مخيمات اللاجئيين الفلسطينيين و كذا المكتب السياسى لحركة حماس و على رأسها خالد مشعل ، كذلك سوريا تُعتبر هى بمثابة جسر للمساعدات الإيرانية المالية للشعب الغزاوى المحاصر ، ثم أن سوريا همزة الوصل بين الإدارة الإيرانية و حزب الله فى لبنان .
بمعنى آخر أن مسألة الانقلاب على النظام السورى هو أمر معقد جداً ، ولكن من الواضح أن هناك العديد من القوى التى تقف بجانب عدم انهيار النظام الديكتاتورى السورى .
و أرى أنه لا بد قبل أن نحلل موقف انتفاض الشعب السورى ضد نظام الأسد الديكتاتورى ، يجب أن نسرد نبذة عن تاريخ نظام آل الأسد و كيف استولوا على الحكم ، و كم الانتهاكات الوحشية التى انتهكوها فى حق الشعب السورى على مدار عقود . 
قد وُلد حافظ الأسد فى السادس من أكتوبر 1930 م وقُبض فى 10 يونيو 2000 م ، وقد تولى رئاسة الجمهورية العربية السورية من 1971 إلى 2000 م.
تولى الأسد الأب حكم سوريا لما يقرب من 30 سنة ، حكم خلالها سوريا بأسلوب قمعى ودموى ، وسوف أقوم بعرض جزء يسير من التاريخ الأسود للأسد  .
وُلد حافظ الأسد في قرية القرداحة بمحافظة اللاذقية لأسرة فقيرة من الطائفة العلوية ( النُصيرية ) كانت تعمل في زراعة الأرض . أتم تعليمه الأساسى فى مدرسة قريته التى أنشأها الفرنسيون عندما أدخلوا التعليم إلى القرى النائية و كان أول من نال تعليما رسميا في عائلته ثم انتقل إلى مدينة اللاذقية حيث أتم تعمليه الثانوى و نال شهادة الفرع العلمى . لم يتمكن من دخول كلية الطب في الجامعة "اليسوعية" ببيروت كما كان يتمنى لتردى أوضاعه المادية لذا التحق بالأكاديمية العسكرية فى حمص عام 1952 ، و من ثم التحق بالكلية الجوية ليتخرج منها برتبة ملازم طيار عام 1955م  .
بعد سقوط نظام أديب الشيشكلى و اغتيال العقيد عدنان المالكى أنحسم الصراع الدائر بين الحزب السورى القومى الاجتماعى و حزب البعث العربى الاشتراكى لصالح البعثيين مما سمح بزيادة نشاطهم و حصولهم على امتيازات استفاد منها حافظ الأسد حيث أختير للذهاب إلى مصر للتدرب على قيادة الطائرات النفاثة . 
وقع حزب البعث مع عدد من الأحزاب فى سوريا على وثيقة الانفصال في عام 1961 م . سُجن على إثر ذلك الأسد الأب مع عدد من رفاقه فى اللجنة العسكرية فى مصر لمدة 44 يوما أطلق سراحهم بعد ذلك و أعيدوا إلى سوريا فى إطار عملية تبادل مع ضباط مصريين كانوا قد احتجزوا فى سوريا . أبعد حافظ الأسد بعد عودته عن الجيش لموقفه الرافض للانفصال و أحيل إلى الخدمة المدنية فى إحدى الوزارات لكنه ظل مرتبطا باللجنة العسكرية التى استطاعات في عام 1962 بالتعاون مع بعض الضباط البعثيين و الناصريين الانقلاب على حكومة الانفصال .
استولى حزب البعث في انقلاب 8 مارس 1963 على السلطة فيما عرف فى أدبيات الحزب بثورة "الثامن من آذار" . أعيد بعدها الرائد حافظ الأسد إلى الخدمة من قبل صديقه و رفيقه فى اللجنة العسكرية مدير إدارة شئون الضباط آنذاك المقدم "صلاح جديد" رُقى بعدها فى عام 1964 م إلى "رتبة لواء" دفعة واحدة وعُين قائداً للقوى الجوية والدفاع الجوى . و بدأت اللجنة العسكرية بتعزيز نفوذها وكانت مهمة حافظ الأسد آنذاك توسيع شبكة مؤيدى وأنصار الحزب فى القوات المسلحة.
قد سلم الأسد الجولان للصهاينة بدون قتال فى العاشر من يونيو 1967 م ، إن هذا العنوان ليس من عندى و لكن بعد قراءة كتاب " إدوارد شيهان " كيسنجر و الإسرائيليين و العرب ، يقول شيهان فى كتابه و هم أحد المرافقيين لكيسنجر فى رحلاته المكوكية : إن المخابرات الصهيونية كانت تتعمد عند عودة كيسنجر من دمشق إلى القدس أن تدهشه بإطلاعه على ما دار بينه وبين حافظ الأسد فى دمشق كما تطلعه على مضمون الرسائل المتبادلة بين الأسد وبين الملوك والرؤساء العرب الآخرين ، ثم قال فإذا علمنا أن أغلب لقاءات كيسنجر مع الأسد كانت مغلقة.. عرفنا جواب اللغز القائم فى كلام شيهان  .
و يقول سامى الجندى و هو كان أحد أركان النظام السورى حين كان وزيراً للإعلام و عضو القيادة القطرية و من مؤسسى حزب السلطة ، فى كتابه "كسرة خبز" ، إن للأسد الكلمة الأولى فهو وزير الدفاع و قائد الطيران و المتحكم الأول فى القرار : لم أُخفِ أبداً أن النظام فى سورية يُعدّ لهزيمة وليس لاسترداد فلسطين نعم .. نعم .. لم تكن هناك أية بادرة للنصر، ولا أعنى أنه كان يعد لهزيمة نفسه وإنما لهزيمة العرب الآخرين ، كى يبقى الثورى الوحيد سيد المناخ ،  الثورى العربى " .
ثم يتطرق الوزير السابق سامى الجندى و يقول أن الأسد قام بإرساله إلى باريس فى مهمة سرية فى ذلك الوقت ، وقال أن سبب اختياره للمهمة فى باريس معلوم رغم أن ماخوس وزير الخارجية السورى فى ذلك الوقت هو الأنسب لهذه المهمة وهو لم يعدم الأشخاص ولا الوسيلة للاتصال بإسرائيل ولكن كان الغرض الرئيسى ابعادى عن سوريا فى ذلك الوقت .. و ثارت أقاويل فى باريس نفسها عن أمين منظمة الحزب التابعة لدمشق وأنا ( وهنا بيت القصيد ) متأكد من اتصالات جرت عن طريق أكثر من دولة ثالثة وفى أكثر من عاصمة ( اتصال مع إسرائيل )… ولست بحاجة ـ بعد ذلك للقول إن إعلان سقوط القُنيطرة ـ قبل أن يحصل السقوط ـ أمر يحار فيه كل تعليل يبنى على حسن النية. إن تداعى الأفكار البسيط يربط بين عدم وقف إطلاق النار والحدود سليمة والإلحاح بل الاستغاثة لوقفه بعد أن توغل الجيش الإسرائيلى في الجولان ، إشارة هنا إلى أن اليهود عرضوا وقف النار قبل توغلهم فرفض العرض ؛ ونتابع أقوال سامى الجندى بهذا الصدد فهى مهمة كونها صادرة عن إنسان مسئول ومهم فى النظام الذى سلّم الجولان.
على أى الأحوال منذ أن احتلت إسرائيل الجولان حتى الآن لم نسمع أنه تم إطلاق طلقة واحدة من الجيش السورى ضد الصهاينة ، أو أن تحرك أحد من النظام الأسدى المتعاقب لتحرير هذه الأرض .
عوداً إلى وحشية نظام بشار الأسد مع شعبه الأعزل ، نقول أن العديد من قوات الجيش السورى قد قامت بالانشقاق على الجيش السورى ، و هذه من العلامات التى سوف تُخفف ضغط وحشية الجيش السورى أو الشرطة السورية عل المتظاهريين ، ثم ما استجد من أحداث من تحرك الجامعة العربية لإنقاذ الشعب السورى من هذا السحق و الإعدام اليومى لأكثر من أربعين فرداً من الشعب السورى ، و بالطبع النظام السورى و إعلامه الكاذب ينفى أنه يمارس القتل اليومى فى مواطنيه ، و كعادة الأنظمة الديكتاتورية العربية ، أن المنتفضيين هم أصحاب أجندات غربية  ، و هم بلطجية أو "شبّيحة" كما يدعونهم السوريون مأجوريين من الخارج ، لكن مما يعجب منه المرء ، أنه بمجرد السماح للجنة المراقبة المنتدبة من الجامعة العربية للقدوم إلى المدن السورية للوقوف على الأحداث و معاينة عمليات القتل اليومى للمتظاهريين السوريين ، فإن الإعلام السورى بدأ الإعلان عن التفجيرات اليومية التى تحدث فى المنشآت الحكومية ، و أقسام الشرطة السورية و غيرها ، و أن وراء هذه الانفجارات تارة تنظيم القاعدة  وتارة أخرى الإخوان المسلمون .
بالطبع هذه الانفجارات هى بأيدى النظام السورى لإرهاب لجان التفتيش الموفدة من قبل الجامعة العربية حتى يرهبوهم فلا يقدموا على دخول المدن المهدمة بيد قوات الجيش السورى ، و عندما طلبت اللجنة دخول مدينة حماه ، فاشتعلت الأمور على الأرض السورية و يتم تسويف موعد الدخول المدينة ، و نقول أنه لأول مرة تتدخل الجامعة العربية فى مثل هذه الحالات ، فضائيات العالم تنشر مذابح النظام السورى اليومية فى شعبه ، و من يدّعى خلاف ذلك فهو كاذب ، الأمر على الأرض السورية فى منتهى الصعوبة و التعقيد ، وسقوط النظام السورى ليس من مصلحة إسرائيل و لا من مصلحة الغرب و لا من مصلحة إيران و لا من مصلحة القضية الفلسطينية الآن ، لكن الوضع يحتاج إلى حكمة عالية ، ويحتاج إلى تكاتف دولى و عربى مخلص ، يحتاج إلى تضافر الشعوب العربية المحررة ، يحتاج إلى عودة النظام السورى إلى رشده و تغليب مصلحة الشعب عن المصلحة الخاصة برجال النظام ، و نقول إن الشعوب قد انتفضت ، و قد باعت دنياها بآخرتها ، و قد ذاقوا حلاوة الشهادة ، بل أقول للنظام السورى ، أن الشعب السورى أفاق من سباته العظيم و أضحى يحرص على الموت بقدر ما تحرصون انتم على الحياة ، فابحثوا عن الخروج الآمن، واتركوا من تبقى من الشعب السورى على قيد الحياة يعيد بناء دولته على الديمقراطية التى طالما تعطشت إليها الشعوب العربية ، و إن الثورات عدوى سريعة الانتشار ، و إن الشعوب العربية نسيج واحد ، قطّع أوصاله الغرب بمعاهدة سايكس بيكو ، و آن الأوان لإلتآم هذا النسيج ، فلا تعمق جرح هذا النسيج ، و اسمع لصوت العقل ، فإن كل قطرة دم تسقط بيدك على الأرض السورية هى حمل فوق أكتافك لن تقوى على حمله أنت و أصحابك يوم القيامة ، العاقل من وعى حقيقة ما يجرى حوله قبل فوات الأوان .
{ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ
 إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ }
المصدر/ أمل الأمة 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق