الأربعاء، 4 يناير 2012

مـصـر في فكـر حـزب الحـرية والعـدالـة.. رؤيـة مـسـتـقـبـلـيــة


بقلم: الدكتور محمد مرسي"رئيس الحزب"
 جريدة الشرق الأوسط
نجحت ثورة 25 يناير المباركة في أن تسقط نظاما فاسدا استبد بأبناء مصر أعواما عديدة، وسينجح الشعب المصري صاحب الحضارة العريقة - بإذن الله - في إسقاط منظومة الفساد التي استشرت في شرايين المجتمع المصري وأسهمت بشكل كبير في تأخرنا سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا.. ولذلك كان إعلان جماعة الإخوان المسلمين عن تأسيس حزب الحرية والعدالة الذي يحمل على عاتقه مع باقي أبناء الشعب المصري: بناء دولة ديمقراطية وطنية دستورية حديثة، تعبر عن إرادة الناس، وإصلاح ما أفسده الطغاة بمشاركة كل طاقات وإبداعات المخلصين الأقوياء من أبناء الأمة في كل المجالات، ووضع دستور جديد، ومواجهة كل القوانين التي سمحت بالظلم والاستبداد، ووضع علاج سريع للبطالة والفقر، والصحة والتعليم وغيرها من المشكلات الملحة التي يعاني منها المصريون.
إن ما تواجهه مصر الآن من تحديات لن يوقف مسيرة الديمقراطية التي انطلقت بدماء وتضحيات شهداء مصر العظام في ثورة 25 يناير، التي شارك فيها كل أبناء مصر مع مختلف الأحزاب والائتلافات والتحالفات السياسية، وقد أخذ حزب الحرية والعدالة على عاتقه ومنذ أول يوم لإنشائه ودخوله إلى الحياة السياسية المصرية في شهر يونيو (حزيران) الماضي إعادة بناء مصر من جديد؛ بناءً يحترم الحريات ويحفظ الحقوق الأساسية لكل مصري، في إطار منظومة القيم الدينية الأصيلة، فضلا عن الحريات السياسية والاجتماعية التي لا غنى عنها لممارسة الحقوق والارتقاء بالمجتمعات، وكذلك عدم التمييز بين المواطنين في الحقوق والواجبات على أساس الدين أو الجنس أو اللون، وحصول المرأة على جميع حقوقها بما يحقق التوازن بين هذه الحقوق وبين الواجبات عليها، وسن التشريعات التي تجرم الفساد والمحسوبية وتضمن تكافؤ الفرص، ودعم وتعزيز التعددية السياسية، وترسيخ قواعد الشراكة بين الدولة ومنظمات المجتمع المدني للقيام بأعباء النهضة والبناء.
وفي الواقع هناك العديد من التحديات التي تواجه المجتمع المصري في الوقت الراهن، والتي يسعى الحزب لعلاجها في الفترة المقبلة، من خلال التصورات الموضوعية التي تضمنها برنامج الحزب، وتتمثل أهم هذه التحديات فيما يلي:
أولا: مبادئ الحرية والمساواة: يؤكد الحزب أنه يسعى إلى إطلاق الحريات وحفظ الحقوق الأساسية لكل مصري، وتعديل كل ما يتعارض أو يقيد هذه الحريات أو ينتهك هذه الحقوق من ممارسات أو تشريعات؛ فالحرية فريضة من فرائض الإسلام «ولقد كرمنا بني آدم».
ثانيا: الأمن: تعاني مصر منذ قيام الثورة من غياب الأمن، في حين أن الأمن ضرورة لازمة للحياة والعمل والإنتاج، ومن ثم يؤكد الحزب على ضرورة إعادة هيكلة وزارة الداخلية وتطهيرها من كل الضباط الذين تورطوا في قهر الشعب وممارسة الفساد، إضافة إلى تغيير العقيدة الوظيفية ابتداء من طلبة كلية الشرطة والشرفاء من ضباطها؛ لتوفير الأمن والحماية للشعب وليس الحاكم وحده، إضافة لوضع سياسة أمنية لحماية كل المؤسسات القومية ورفع المستوى المادي للجنود وذوي الرتب الصغيرة، ووضع حد أقصى لأجور كبار الضباط ومراقبة الوزارة عن طريق البرلمان لضمان حسن الأداء.
ثالثًا: المشاكل الاقتصادية الأولى بالرعاية، يرى الحزب أن الإنسان المصري هو أساس التنمية، وأنه المستهدف بها، وبالتالي لا بد من انتشاله من حالة الفقر وتدني الخدمات الصحية والتعليمية المقدمة له.
ويؤمن الحزب بأن كرامة الإنسان وحريته مرهونة بمدى حصوله على معيشة كريمة تحرره من قيد الاستغلال والفاقة.
ويؤكد الحزب أن مواجهة مشكلة البطالة تتطلب تضافر جهود العديد من مؤسسات المجتمع، لتوفير فرص العمل، مثل الجهاز المصرفي، ومؤسسات التعليم، والمجتمع الأهلي، ومجتمع رجال الأعمال، وتبني المشروعات القومية الكبيرة، وفي الوقت نفسه دعم الشباب للقيام بالمشروعات الصغيرة، حتى نتمكن من زيادة معدلات النمو الاقتصادي لاستيعاب الداخلين لسوق العمل وحتى يمكننا توفير العمل لكل عاطل وأجر مناسب لكل عامل، والكفالة الاجتماعية لكل عاجز.
رابعا: المشاكل الاجتماعية؛ ويأخذ الحزب في الاعتبار أن هناك فئة من أبناء المجتمع تحول إمكانياتهم المادية دون الوفاء باحتياجاتهم الحياتية الكريمة، ولذلك يطرح برنامج الحزب الاقتصادي - بالإضافة إلى ما هو موجود الآن في المجتمع من جمعيات خيرية وتكافل بين أبنائه - تفعيل آليات الزكاة لتعالج أوجه القصور في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، ويعمل بجوار آليات الزكاة جنبا إلى جنب آليات الوقف.
خامسا: علاج الخلل في هيكل الأجور: تعتبر قضية الخلل في هيكل الأجور في السوق المصرية من القضايا التي يوليها الحزب اهتماما كبيرا، لضمان حد أدنى وأقصى للأجور يضمن الحياة الكريمة للمواطن المصري بحيث ترتبط الزيادة في الأجر بمعدلات التضخم. ومنع رجال الإدارة العليا من شغل أكثر من وظيفة ومنع وجودهم في مجالس إدارة أكثر من شركة أو صندوق، حتى تتاح الفرصة للآخرين للاستفادة مما ينفق على هذه الوظائف.
سادسا: قضية التلوث البيئي: يرى الحزب فيما يتعلق بمشكلة التلوث البيئي أن التوازن البيئي بين الإنسان وما شيده في بيئته العمرانية وبين خلق الله في البيئة الطبيعية، هو الإطار الحاكم لإعمار الأرض الذي كُلف به الإنسان، ومن هنا وضع الحزب الأولويات والسياسات للتعامل مع أنواع التلوث البيئي بدءًا من الحد من تأثير التلوث، ثم آليات المعالجة وانتهاءً بالسياسات الوقائية لمنع تكراره، وذلك من خلال إنشاء مجلس قومي لحماية نهر النيل يجمع كافة الهيئات ذات الصلة لتوحيد المسؤوليات وتجنب تضارب الصلاحيات والعمل على سن حزمة من التشريعات والقوانين التي تجرم تلويث هذا النهر العظيم مع الحزم في تنفيذ هذه التشريعات.
سابعا: قضية الإسكان: يعتقد الحزب أن هذه القضية الشائكة تؤرق كل أسرة وكل شاب، ولذلك حرص الحزب على إيجاد حل ناجع لها من خلال إعادة التوزيع الجغرافي للتنمية والسكان بحيث تتناسب الموارد البشرية كما وكيفا مع مقومات التنمية ومتطلبات الأمن القومي، وذلك من خلال تقسيم الدولة إلى أقاليم تنموية والعمل على جذب السكان والكفاءات من الأقاليم الأكثر كثافة وأقل موارد إلى الأقاليم الأقل كثافة والأكثر موارد.
ثامنا: مشكلة النقل والمواصلات: تبنى الحزب في برنامجه تحقيق التكامل بين الوسائل الأربع للنقل: البري والنهري والبحري والجوي، لرفع كفاءة أداء هذا القطاع داخليًّا وخارجيًّا؛ وذلك عن طريق: قيام وزارة النقل بالدور الرئيسي في الإشراف الكامل على كافة أنشطة القطاع المختلفة ورسم السياسات اللازمة لقيام هذا القطاع بدوره المنوط به بكفاءة عالية لتفادي التضارب الحادث بين الجهات المختلفة التي تقوم حاليا بالإشراف على هذا القطاع والتي منها وزارة الداخلية - وزارة السياحة - وزارة البيئة - المحليات.. إلخ.
تاسعا: قضية التعليم والبحث العلمي: أولى الحزب في برنامجه اهتماما خاصا بالتنمية البشرية التي تكفل كرامة الإنسان، ويقر بحق كل مواطن في التعليم من أجل بناء الجيل القادر على حمل لواء النهضة والتنمية لهذا المجتمع.
ويرى الحزب أن إصلاح وتطوير التعليم ومعاهد ومؤسسات البحث العلمي من شأنه أن يقوي الانتماء الوطني ويعمق الهويّة العربية والإسلامية، وذلك لأنه يمثل الطريق إلى الوحدة الفكرية والثقافية داخل مصر وبين الدول العربية والإسلامية كما أنه يعظم التنمية بما يحقق التقدم والريادة والصدارة للأمة.
ويهدف الحزب لجعل التعليم والبحث العلمي الأداة الرئيسية لتلبية احتياجات المجتمع والأمة وتحقيق طموحاتها وتقدمها في الداخل والخارج. وذلك من خلال العديد من البرامج والآليات أهمها: كفالة التعليم لجميع أفراد المجتمع، وملازمة التربية للتعليم في كل مراحل التعليم، وتوسيع التعليم نوعا وكيفا وجغرافيا بما فيه التعليم المفتوح والتعليم عن بعد، والتعليم الإلكتروني وغير ذلك، وتوفير التدريب والتعليم المستمر لمواكبة التقدم العلمي والتقني المذهل والمتسارع والتركيز على تنمية قدرات التفكير الابتكاري وبناء المهارات، وتطوير وتحديث المناهج والأنشطة بما يتناسب مع العصر وبما ينمي القدرات والمواهب ويحقق الأهداف والمواصفات المطلوبة باعتماد أسلوب التفكير والحوار والبحث والمناقشة في التعليم بدلا من أسلوب التلقين والحفظ وحده.
وفي نفس السياق وضع الحزب حلولا لعلاج مشكلة الأمية التي تعتبر سبة في جبين المجتمع من خلال الوسائل الآتية: وضع مشروع قومي للقضاء تماما على الأمية خلال بضع سنوات (5 سنوات) مع حفز كل الطاقات لتنفيذه، واعتماد ميزانية تتناسب مع هذا المشروع، وإلزام الشركات والمصانع الكبيرة بتنظيم فصول لمحو أمية العاملين فيها، وتقديم إعفاءات ضريبية مناسبة لها، وتشجيع الأطفال ولا سيما في الريف على عدم التسرب من التعليم وكذلك رعاية الأسر الفقيرة حتى لا تضطر لسحب أولادها من التعليم وإلحاقهم بأعمال من أجل الحصول على أموال.
عاشرا: تطوير القطاع الصحي: وضع الحزب برنامجا طموحا لتطوير أوضاع القطاع الصِّحي من خلال توفير آليات الرَّعايَة الصحيَّة لكافة المواطنين، بغض النظر عن قُدُرَاتِهم الماليَّة، أو محل إقامتهم، بما يضمن حُرِّيَّة المواطن في اختيار مكان تلقي الخدمة العلاجيَّة، مع التركيز على غيرِ القادرين في هذا الشَّأنِ، والارتقاء بجودة الخدمة الصِّحيَّة وضمان عدالة توزيعها بما يُوَفِّر لمحدودي الدَّخل القدرة على الحصول على الرَّعايَة الصِّحيَّة الملائمة، وتوسيع مظلة التأمين الصحي لتشمل كل المصريين خلال فترة زمنية محددة.
حادي عشر: تطوير السياحة، تحتل السياحة المكان اللائق بها في برنامج الحزب، لما تملكه مصر من تراث حضاري وأثري فرعوني وإغريقي وروماني وقبطي وإسلامي ومناخ معتدل وطبيعة ساحرة وشعب مضياف لا نظير لها في العالم كله، إذ تعد السياحة كصناعة ونشاط تصديري مصدرا شديد الأهمية للعملات الأجنبية، ومكونا أساسيا من مكونات الدخل القومي وركيزة رئيسية لخلق فرص العمالة المنتجة لمئات الآلاف من شبابنا، وذلك من خلال حماية المناطق السياحية في المدن المصرية القديمة، وعلى سواحل البحرين المتوسط والأحمر على أسس سياحية حديثة، ومنع النمو العشوائي للمباني حول هذه المناطق، وتشجيع القطاع الخاص واستقطاب الاستثمارات الأجنبية في قطاع السياحة، وتوجيه كافة الوزارات الخدمية المرتبطة بالسياحة مثل: وزارات الطيران والنقل والإعلام والثقافة والبيئة وغيرها من الوزارات والأجهزة المعنية بالنشاط السياحي في مصر لمساندة السياحة والترويج لها ضمن أهم أهداف خططها السنوية، وهذا كله يتطلب بالضرورة الاهتمام بالعاملين في هذا المجال وبالمرشدين السياحيين وبشركات السياحة العامة والخاصة وتبني مشاكلهم وإيجاد الحلول الموضوعية والجذرية لها.
ثاني عشر: تعميق التعاون مع الدول العربية: أكد الحزب أنه يسعى لدعم خطط وآليات التكامل والعمل العربي المشترك في كافة المجالات، كما أكد على حق الشعب الفلسطيني في تحرير أرضه وعلى حق الشعوب في الحصول على حقوقها وامتلاك إرادتها لحكم نفسها طبقًا لما تقرره وتراه مناسبًا لها؛ فالأمة يجب أن تكون بحق مصدر السلطة.
وبعد؛ نتمنى أن نكون بهذه الكلمات الموجزة قد نجحنا في الإجابة عن بعض الأسئلة المثارة في أذهان الجميع، مؤكدين أن حزب الحرية والعدالة سيعمل بكل جهد وإخلاص خلال الفترة المقبلة؛ ليحول تطلعاته وآماله لشعب مصر العظيم لواقع عملي يستفيد منه الجميع دون تفرقة من أجل النهوض بمصر وتأسيس حقيقي للدولة المصرية الوطنية الدستورية الحديثة التي تقوم على الحرية والديمقراطية وتكون بحق مصر الجديدة.
وإن غدًا لناظره قريب وما ذلك على الله بعزيز.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

رئيس حزب الحرية والعدالة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق